أحمد بن محمد المقري التلمساني

18

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وحكم - وهو الفاعل المختار - على الجميع بالموت فكان لمبتدئهم خبرا ، فيا له من داء أعيا كلّ معالج أو راق « 1 » . فسبحانه من إله انفرد بوجوب القدم والبقا ، واختصّ بفضله من شاء فارتقى ، وعمّ تعالى ذوي السعادة والشّقا ، بالحدوث والفنا ، وأذاق من فراق الدنيا كل من فيها بلا ثنيا « 2 » فمن وفّق فنفى عن جفنه وسنا ، أو خذل فجرّ في ميدان الاغترار رسنا ، وزين له عياذا بالله سوء عمله فرآه حسنا ، طعم شعوب « 3 » المرّ الجنى ، فلم يغن منه عن ذوي الغنى والغنا ، وأهل السناء والسّنا « 4 » من استظهروا به من أرباب الصّوارم والقنا ، وأصحاب النظم والنثر والجدال والفخر والمدح والثنا ، فأولئك ألقوا السّلاح مذعنين ، مستبصرين موقنين ، إذ جاء الحق وزهق الباطل وولى الامترا « 5 » وهؤلاء تركوا الاصطلاح معلنين ، عالمين أنهم لم يكونوا في التمويه محسنين ، وكيف لا وقد اضمحلّ الغرور والاجترا ، وذهب واللّه الجور والافتراء ، وبدّل مذق الإطراء « 6 » بصدق الإطراق . وأشكره جلّ وعلا على أن علّم بالقلم ما لم نعلم ، ونبّه بآثاره الدالّة على اقتداره إلى سلوك الطريق الأقوم ، الواضح المعلم ، وأرشد من أشرق فكره وأضا « 7 » ، إلى التفويض لأحكام القضا ، ومن ذا يردّ ما أمضى أو ينقض ما أبرم ، والتسليم على كل حال أسلم ، وأمر جلّ اسمه بالتّدبّر في أنباء من مضى ، والنظر في عواقب أحوال الذين زال أمرهم وانقضى ، من صنوف الأمم ، ووبّخ من دجا قلبه « 8 » بالإعراض عن ذلك وأظلم ، وشتّان ما بين اللاهي والمتذكر ، والساهي والمتفكر ، والناجي والهالك المتحيّر ، والداجي الحالك والمشرق النّيّر ، وما يستوي الظّلّ والحرور ، والحزن والسّرور ، والظلمات والنور ، ذو البهجة والإشراق . وأصلي أزكى الصلاة والسلام ، هديّة لحضرة سيد الأنام ، ولبنة التمام ، من زويت « 9 » له

--> ( 1 ) أو راق : أو : عاطفة . راق : اسم فاعل من رقى المريض يرقيه . ( 2 ) بلا ثنيا : بلا استثناء ، وفي بعض النسخ : بلا ثنا ، والثنا إعادة الشيء مرتين . ( 3 ) شعوب : اسم للمنية . ( 4 ) السّناء : الرفعة . والسنا مقصورة بمعنى الضياء . ( 5 ) الامترا : الامتراء حذفت همزته وهو : الشك ، والارتياب . ( 6 ) المذق : الكاذب ، ومذق الإطراء : الثناء الكاذب . ( 7 ) أضا : أضاء ، وحذف الهمزة مراعاة للسجع . ( 8 ) دجا قلبه : أظلم . ( 9 ) زويت له الأرض : طويت .